الصالحي الشامي
387
سبل الهدى والرشاد
وري إسحاق بن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس قال : " الروح من الله ، وخلق من خلق الله ، وصور كبني آدم ، لا ينزل ملك إلا ومعه أخذ من الروح " ، وقال الخطابي : " حكوا في المراد بالروح في الآية أقوالا ، وقال الأكثرون : سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد . وقال أهل النظر : " سألوه عن مسلك الروح وامتزاجها بالجسد ، وهذا هو الذي استأثر الله بلعمه . وقال القرطبي : " الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان ، لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله ، ولا نجهل أن جبريل ملك وأن الملائكة الروح " . وقال الإمام فخر الدين : " المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة ، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه ، وبيانه : أن السؤال عن الروح يحتمل أن يكون عن ماهيتها ، وهل هي متحيزة أم لا ، وهل هي حالة في متحيز أم لا ، وهل هي قديمة أو حادثة ، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى ، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من تعلقاتها " ؟ قال : " وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية وهل الروح قديمة أو حادثة ؟ والجواب يدل على أنها شئ موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها ، فهي جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث ، وهو قوله تعالى : " كن فكان " . قال : هي موجودة محدثة بأمر الله عز وجل ، وتكوينه ، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد ، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها . الرابع : تنطع قوم " فتباينت أقوالهم في الروح ، فقيل : هي النفس الداخل الخارج ، وقيل الحياة ، وقيل : جسم لطيف يحل في جميع البدن ، وقيل : هي الدم ، وقيل : هي عرض ، حتى قيل : إن الأقوال بلغت المائة ، ونقل ابن مندة عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمس أرواح ، أن لكل مؤمن ثلاثا ، ولكل حي واحدة . الخامس : قال القضي أبو بكر بن العربي : " اختلفوا في الروح والنفس ، فقيل متغايران وهو الحق ، وقيل : هما شئ واحد ، وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس ، كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس ، وقد يعبر عن الروح بالحياة حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجهال مجازا . قال تلميذه السهيلي : يعني على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " ( الحجر : 29 ) ، وقوله تعالى : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) ( المائدة 116 ) فإنهلا يصح جعل أحدهما موضع الآخر ، ولولا التغاير لساغ ذلك . السادس : في قوله تعالى : ( قل الروح من أمر ربي ) ، قال الإمام فخر الدين الرازي : " يحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الفعل كقوله تعالى : " وما أمر فرعون برشيد " ( هود 97 )